الغزالي
84
إحياء علوم الدين
ورمحها ، وهي لعمري فائدة مقصودة ، ولكن مثلها حاصل من البهيمة الميتة ، وإنما تراد الدابة لفائدة تحصل من حياتها . فكذلك الخلاص من ألم الشهوات في الحال ، يحصل بالنوم والموت ، ولا ينبغي أن يقنع به . كالراهب الذي قيل له يا راهب ، فقال ما أنا راهب ، إنما أنا كلب عقور ، حبست نفسي حتى لا أعقر الناس . وهذا حسن بالإضافة إلى من يعقر الناس ولكن لا ينبغي أن يقتصر عليه ، فإن من قتل نفسه أيضا لم يعقر الناس ، بل ينبغي أن يتشوف إلى الغاية المقصودة بها . ومن فهم ذلك واهتدى إلى الطريق وقدر على السلوك ، استبان له أن العزلة أعون له من المخالطة . فالأفضل لمثل هذا الشخص المخالطة أوّلا والعزلة آخرا وأما التأديب فإنما نعني به أن يروض غيره . وهو حال شيخ الصوفية معهم . فإنه لا يقدر على تهذيبهم إلا بمخالطتهم : وحاله حال المعلم ، وحكمه حكمه . ويتطرق إليه من دقائق الآفات والرياء ، ما يتطرق إلى نشر العلم . إلا أن مخايل طلب الدنيا من المريدين الطالبين للارتياض ، أبعد منها من طلبة العلم . ولذلك يرى فيهم قلة ، وفي طلبة العلم كثرة . فينبغي أن يقيس ما تيسر له من الخلوة ، بما تيسر له من المخالطة وتهذيب القوم ، وليقابل أحدهما بالآخر ، وليؤثر الأفضل . وذلك يدرك بدقيق الاجتهاد ، ويختلف بالأحوال والأشخاص فلا يمكن الحكم عليه مطلقا بنفي ولا إثبات الفائدة الرابعة الاستئناس والإيناس . وهو غرض من يحضر الولائم والدعوات ، ومواضع المعاشرة والأنس . وهذا يرجع إلى حظ النفس في الحال . وقد يكون ذلك على وجه حرام ، بمؤانسة من لا تجوز مؤانسته . أو على وجه مباح . وقد يستحب ذلك لأمر الدين ، وذلك فيمن يستأنس بمشاهدة أحواله وأقواله في الدين ، كالأنس بالمشايخ الملازمين لسمت التقوى وقد يتعلق بحظ النفس ، ويستحب إذا كان الغرض منه ترويح القلب ، لتهييج دواعي النشاط في العبادة . فإن القلوب إذا أكرهت عميت . ومهما كان في الوحدة وحشة ، وفي المجالسة أنس يروح القلب ، فهي أولى . إذ الرفق في العبادة من حزم العبادة